الرايس الحاج بلعيد… الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر – إبراهيم أكنفار

الرايس الحاج بلعيد... الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر – إبراهيم أكنفار

نشرت جريدة الصباح سلسلة حلقات عن بحث مميز للصحافي إبراهيم أكنفار حول الأسطورة الأمازيغية الرايس الحاج بلعيد، الحلقة التاسعة بعنوان ( الحاج بلعيد… الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ) ( بانوراما الصيف: رائد الأغنية الأمازيغية 9) في العدد 3506 ليوم الجمعة 29 يوليوز 2011
يعتبر الفنان الرايس الحاج بلعيد من شعراء ورواد الأغنية الأمازيغية دون منازع، وينسب إليه تأسيسها، واعتبره البعض أباها الروحي وقيدومها، فهو شاعر ومبدع وموسيقي كبير وأحد الرموز التاريخية للمشهد الثقافي والغنائي والفني الأمازيغي عامة، والسوسي خاصة. كما اعتبره البعض الآخر فلتة من فلتات التاريخ، ربما لن يجود الزمان بمثلها ثانية، فهو فريد وغير قابل للتقليد، ما زالت مقطوعاته تتداول من جيل إلى آخر داخل الوطن وخارجه، خاصة بأوربا، إذ ما زلنا نرى في كثير من منازل أهل سوس صورة الحاج بلعيد بجانب صورة محمد الخامس تزين جدران بيوتهم. يعد الرايس الحاج بلعيد مدرسة تاريخية قائمة الذات بالنظر إلى ما خلفه من قصائد وأشعار ذات حمولة فكرية وعلمية وفقهية وتاريخية، إذ يفيد هذا الإرث الفني أن الحاج بلعيد عاش في عصر يتحدث بلغة الأعراف والتقاليد الأمازيغية التي لا تتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية، خاصة أن عصر الحاج بلعيد هو عصر تقليدي بامتياز، الشيء الذي جعله يفكر ويختار مجموعة من المواضيع في أغانيه الخالدة كالدين والعلاقات الاجتماعية والغزل الرمزي والوطنية. واعتبارا لأن الإسلام بالنسبة إلى الأمازيغ الأولين شيء مقدس وذي أهمية كبيرة في حياتهم، فإنه من الطبيعي أن نجد الحاج بلعيد الذي نشأ في هذا المجتمع يغني قصائد دينية تجعل المستمع والمتفرج يتذوق تعاليم الإسلام الحنيف في طابق فني رائع على عكس ما لم تستطع أن تحققه الخطب والتعليمات المباشرة. وهكذا، فقد استطاع الحاج بلعيد أن يبدع العديد من القصائد الدينية مثل “اقصت ن يان اؤمحضار” أي قصة أحد طلبة المدارس العتيقة الذين يتعلمون القرآن الكريم والسنة النبوية وغيرها من هذه العلوم كالتفسير والبلاغة والنحو والمنطق، بالإضافة إلى قصيدة طويلة لأزيد من 45 دقيقة حول مناسك الحج، مما لا يدع أدنى شك أن الحاج بلعيد كان شخصية متدينة، كان ملما بعلوم الفقه إلى جانب الأغراض الشعرية الأخرى، والتي اشتهر بها في أغانيه من غزل ومدح ووصف، واستطاع هذا الشاعر الأمازيغي السوسي، أن يقدم النصائح والوعظ والإرشاد، لأهل بلده الأمازيغ خاصة النساء منهم واللائي يجهلن اللغة العربية، فساهم بذلك في وعظهم وتفقيههم بأمور دينهم، ومنها هذه المقطوعة التي جمع فيها فرائض الوضوء السبعة في شكل نظمي بديع (سا لفارايض آد ايفرضن ف لوضو ضهرناك * النيت ايغ لكمغ أودم نووغ كيس ايسكان لفرض * ويسين زوارند أودم آس حودان غ لفرض * ايريدن إيفاسن ويس كراض آس حودان غ لفرض * أتيغمرين إيضوضان أيحوكو كراتسن * أمحاس إيكا ويس كوز أيعومو إيجمعا * وانا دار أزاران مقورن إيسمون ديدس أفوس * إيريدن إيضارن ويس سموس آس حودان غ لفرض * الدلك نس إيكا ويس سضيس آد حودان غ لفرض * الفور إيكا ويسا للوضو إيفرض آت إيزدي يان). وبهذا الخصوص، يقول الأستاذ الباحث الحسين بن إحيا، إن الحاج بلعيد تشمر للعمل بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أصبح هو الأرضية التي تنطلق منها كل فكرة إصلاحية، إذ يرى الحاج بلعيد أن دوره يتجلى في إنذار قومه بعواقب التفسخ الأخلاقي، مؤكدا أنه متى تفشى المنكر والفساد فسيعم الغلاء والجوع والقحط (ئغ ئلاّ لمنكر، هانْ لغضب ئقاند أيّيلي *أييلي لمنكر د لغلا د جوع، سول د لقّاحط). وقد دفعت الظروف التي عاشها الحاج بلعيد إلى تبنيه أفكارا تشاؤمية من الحياة، إذ استحسن أن يكون الإنسان أبكم في زمانه ليقطع الصلة بالعالم الخارجي ويلزم منزله. والحاج بلعيد من بين الذين يحافظون على الانضباط ولا يتقول على الناس في المناسبات التي يغني فيها مستنكرا تفشي النميمة والخداع بين الناس (أوال ئعدلن لعيب ؤراغت نتّيني * غ لمواكن ؤلا ئغ نجمعا ؤلا أسايس * توفضاح دُّونيت س نّاميما تحرايمييْت). إننا نستخلص من قراءة متفحصة لقصائد الفنان الرايس الحاج بلعيد أنه لم يترك مجالا في الحياة اليومية للناس إلا وأشار إليها وبيَّن عيوبها  وكيفية تقويمها مستشهدا بأحاديث نبوية، فتحدث عن أركان الإسلام، خاصة الصلاة، ومناسك الحج في قصيدة دينية جد طويلة التي ختمها بالتذكير بفرائض الوضوء، بالإضافة إلى الأمراض التي تشوب المعاملات الاجتماعية والاقتصادية بين الناس. كما حظيت المرأة بقسط وافر من النقد من قبل الحاج بلعيد واعتبر أن المرأة التي تلجأ إلى السفور والتبرج وتلج مجالس الغناء والرقص يعتبر منهى العيب والخروج عن طاعة الله ورسوله. يذكر أن ما خلفه الفنان الحاج بلعيد من تسجيلات صوتية قليل جدا مقارنة مع ما أنتجه من قصائد وأشعار في شبابه، إذ لم يسجل أغانيه بصوته إلا بعد بلوغه سن الشيخوخة، بينما كان في فترة شبابه يتنقل بين قبائل وحواضر المغرب، دون أن يفكر في تسجيل أي أنشودة من أغانيه بالصوت الشبابي الذي لم نسمعه أبدا في جميع أسطواناته القديمة، بل نسمع فيها صوت شيخ طاعن في السن، ويرجع أحد الباحثين سبب ذلك إلى أمرين، الأمر الأول هو أن المغرب في بداية القرن العشرين الميلادي لم يستفد بعد من تقنيات التسجيل الصوتي على نطاق واسع، بل احتكرته بعض شركات التسجيل الصوتية المعدودة كبيضافون التي مدحها الحاج بلعيد في إحدى قصائده، الأمر الثاني هو أن نزعة الرايس الحاج بلعيد الدينية والاجتماعية جعلته يمتنع، ويتورع عن التسجيل مخافة الوقوع في المحظور الذي نهى عنه الدين الإسلامي، ولم يلج عالم التسجيل إلا بعد أن استشار مجالس العلماء الذين أفتوا له بعدم وجود أي نص في القرآن الكريم ولا الحديث النبوي يعارض ما ينوي الرايس توثيقه من أعماله الفنية.
إبراهيم أكنفار – جريدة الصباح

موسم للآتعزة تاسملالت يوم الأحد 11 شتنبر 2011 بقبيلة إداوسملال

موسم للآتعزة تاسملالت يوم الأحد 11 شتنبر 2011 بقبيلة إداوسملال

علمت شبكة و منتديات إداوسملال ان موسم الولية الصالحة للآتعزة تاسملالت سيقام يوم الأحد 11 شتنبر 2011 بالمدرسة العتيقة للاتعزة السملالية، بقبيلة إداوسملال جماعة تيزغران اقليم تيزنيت. ويحضى هذا الموسم بإقبال شعبي ورسمي كبيرين، ويحرص ساكنة قبيلة إداوسملال على الحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم العريقة من خلال رعاية هذه المدارس العتيقة والإشراف على مواسمها، وبعد تأسيس جمعية المدرسة العتيقة للاتعزة السملالية تولت هذه الأخيرة تسيير أمور المدرسة والمواسم، لكنها مؤخرا تتعرض لانتقاذات من قبل سكان المنطقة الذين يتخوفون على تقاليدهم وعاداتهم ان يطالها التحريف والتبعية لجهات وأشخاص من خاج القبيلة، كما يصر السكان على أن يشارك الجميع في اتخاذ القرارات التي تخص المدرسة والموسم كما يطالبون بالسماح للجميع بتمويل أنشطتها كل حسب المستطاع ويرفضون أن يقوم شخص أو عائلة مهما بلغ من الثراء بالإستحواذ على ذلك. وفي اتصال للشبكة بساكنة منطقة توريرت طالبوا الجمعية باحترام خصوصية الموسم وتقاليده العتيقة، كما أكدوا للشبكة أن ساكنة منطقة توريرت نتكرامت لهم الحق التاريخي في الإشراف على ضريح للآتعزة تاسملالت وشؤونها، رافضين أن تشرف الجمعية على الضريح وصندوقه، وللإشارة فإن دوار توريرت نتكرامت كان يسمى قديما بدوار توريرت أوطوب، حيث كان يتميز ببرج عالي بني بالطين أو ما يصطلح عليه بالأمازيغية أوطوب، قبل أن يغير الدوار اسمه تيمنا بالولية الصالحة للآتعزة تاسملالت التي تشرف الدوار بأن تحتضن أرضه ضريحها، و على هذا الأساس كان أبناء الدوار منذ القدم يحملون أمانة رعاية الضريح والإشراف عليه، وهو ما يفسر رغبة ساكنة المنطقة في استعادة هذه المسؤولية وعدم التفريط فيها، وخاصة بعد أن أثبتت الجمعية فشلها في الإستجابة لتطلعات أبناء المنطقة في الحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم من التحريف والتبعية للخارج، كما ينتقذون غياب الحوار من قبل المسؤولين بالجمعية مع الساكنة. ويضم دوار توريرت نتكرامت ثلاثة عائلات عريقة أهمها أيت بورجلات، أيت بنداود وأيت أوبعقيل، ومعروف عن هذه العائلات تعلقها بخدمة المدرسة العتيقة والضريح حيث ان المدرسة شيدت على أراضيها. ويتميز الموسم بحضور العشرات من طلبة وفقهاء المدارس العتيقة بسوس، بالإضافة لحضور أبناء قبيلة إداوسملال من مختلف المدن الوطنية وخارج الوطن، كما يتميز الموسم بتقديم العشرات من أطباق الكسكس التقليدي مزينة بالخضار والبيض واللحم الذي يوزع على البيوت من الذبيحة التي يشارك الجميع في ثمنها.

الرايس الحاج بلعيد ينتقد المتشاعرين ويعتبر النظم صعبا – إبراهيم أكنفار

الرايس الحاج بلعيد ينتقد المتشاعرين ويعتبر النظم صعبا – إبراهيم أكنفار

نشرت جريدة الصباح سلسلة حلقات عن بحث مميز للصحافي إبراهيم أكنفار حول الأسطورة الأمازيغية الرايس الحاج بلعيد، الحلقة السادسة بعنوان ( بلعيد ينتقد المتشاعرين ويعتبر النظم صعبا ) ( بانوراما الصيف: رائد الأغنية الأمازيغية 6) في العدد 3511 ليوم الثلاثاء 26 يوليوز 2011
يعتبر الفنان الرايس الحاج بلعيد من شعراء ورواد الأغنية الأمازيغية دون منازع، وينسب إليه تأسيسها، واعتبره البعض أباها الروحي وقيدومها، فهو شاعر ومبدع وموسيقي كبير وأحد الرموز التاريخية للمشهد الثقافي والغنائي والفني الأمازيغي عامة، والسوسي خاصة. كما اعتبره البعض الآخر فلتة من فلتات التاريخ، ربما لن يجود الزمان بمثلها ثانية، فهو فريد وغير قابل للتقليد، ما زالت مقطوعاته تتداول من جيل إلى آخر داخل الوطن وخارجه، خاصة بأوربا، إذ ما زلنا نرى في كثير من منازل أهل سوس صورة الحاج بلعيد بجانب صورة محمد الخامس تزين جدران بيوتهم. تزامنت حياة الفنان الحاج بلعيد بالصراع الموجود بين الفنانين الأمازيغ (الروايس) من جهة، والعلماء والفقهاء من جهة أخرى حول ماهية أشعارهم ودورها، إذ ذهب بعض الفقهاء إلى تحريم أدائهم وفنهم، وأشاعوا بين الناس حرمة الشعر، متمسكين بتفسيرهم للآية الكريمة ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون…﴾.
رد عليهم شعراء الأمازيغ بأشعارهم وقصائدهم بألا تعارض بين مضامين أشعارهم وبين الإسلام.
في هذه الأجواء التي يطبعها الصراع بين جناح العلماء وجناح الشعراء، استطاع الحاج بلعيد أن يمزج بين الوظيفة الدينية التعليمية للقصيدة ووظيفتها الشعرية الفنية، لتصبح الأغنية وسيلة للتلقين والتربية وكسب المعرفة ونقل العلم والمعرفة بشكل فني رائع (نموذج قصيدته حول الحج وفرائض الصلاة والزكاة).
ويرى الحاج بلعيد لزاما أن يواكب الشعر الأحداث وقضايا المجتمع الذي يعيش فيه الشاعر أو الرايس بدل أن يكون خارج السياق، لذا كان يجدد باستمرار في شعره ومواضيعه كي يساير التطور الذي شهده العصر وأهله ويلبي مطالبهم، بدل أن يكون الرايس يعيش في أجواء معينة لا تعكسها أشعاره، لذا نراه لا يتحدث عن الحروب والجيوش والقتل التي لم يعايشها، بل تناول مستجدات عصره من وسائل نقل وبنايات وجميع الشهوات المادية، إذ بقيت المقابلة بين الماضي والحاضر تلازم شعره المتجدد باستمرار ليلائم عصره.
استهل قصيدة مدح الملك محمد الخامس بـ (أبيسمي لاّه أدّاغ أسيغ أَمارﮒ لّْجديد، أتّ ئِينيغ)، فهو واع بضرورة التجديد. كما كان يعتبر الشعر والقصيدة بمثابة وثيقة لها حجيتها من قبل المهتمين من فقهاء وعلماء ومؤرخين وهو ما دفعه إلى تسجيل أشعاره، ما أكسبه الشهرة بعد انتشار تلك التسجيلات داخل الوطن وخارجه. من جانب آخر، ينظم الحاج بلعيد شعره حسب متلقيه الذي يضعه في الحسبان محاولا إرضاءه ما أمكن دون أن يمنعه ذلك من أن يقول كلمة حق (لحاق ئِعدل واّنَّات كا ئِقبلن).
وفي قصائد أخرى، اعتبر أن شعره مجرد نتيجة ما تعلمه وأثار انتباهه خلال أسفاره وتجواله في جميع مناطق المغرب وخارج الوطن (لاخبار ن فاس، ؤلا مراكش، ئخ أُر أﮔلميم * أف راد أَسيغ لمعنا، لِّيس ريغ أتِّيد ئنيغْ). كما يعتبر الحاج بلعيد قول الحق من سمات الرجال، لذا لا يتوانى في قول الحق مهما كلفه ذلك من ثمن (لحاق إشداّ يانت ئتينين، ؤُرت ري مِّدين * وَّنا ؤكان ئﮕان ؤلحاق، أَرئِتيني أوال لحاق)، غير أنه نجده يتنازل أحيانا عن مواقفه الشخصية إرضاء لجمهوره ورغباته، بعد اقتناعه بأن الجدية قد لا تحقق مبتغاه أحيانا على عكس الهزل والمرح، حيث يقول الحاج بلعيد تحدثا عن أشعاره وقصائده مؤكدا أن الرايس لا يصدح قائلا أشعاره، إلا إذا عمت الفرحة الطرفين، الرايس والمتفرج (ؤرئكفي ناضيم لاخبار عدلنين * أمر ئغ ئلاّ س لخاطر، افيند الفرح)، وهكذا يعتبر الحاج بلعيد التجربة الشعرية مهمة صعبة للغاية،  وتتطلب بذل مجهود كبير من قبل الفنان، موجها عتابه الشديد للمتشاعرين وما هم بشعراء الذين يزدردون الكلام (لاح سوُل وِّلِّي ﮔانين أيت لمعنا ﮔوميغ * ماف رانسمامي لاح طَّالب ييليح أﮔرام * أيي سكرن لحرز نغ دوعا ئي رايِّي داوان* شاهوا دلهوا ملكن صاحت ئنو غْلبْن سِّيف). ولهذا اشترط الرايس بلعيد توفر ثلاث خاصيات لتحقيق التجاوب بين الشاعر/الرايس والجمهور/المحبين، ألا وهي العلم والفهم والعقل (ئني تﮕيت لعاليم، دا ياقران أمارﮒ * ئني تﮕيت لعاقيل، دا ياقران أمارﮒ * ئني تﮕيت لفاهيم، دا ياقران أمارﮒ)، لذا نجد في أشعاره بعض الإشارات التي تدل على تذمره وغضبه من الشعر الذي أنهك قواه العقلية والجسدية دون أن يتمتع بالراحة اللازمة (أمولانا أوييد لعاقل، ئموريﮓ ؤرانغ إفيل * رَّحت ؤلا ياديف ؤرتن ليح)، ورغم تقدمه في السن، فإنه لم يطلق الشعر إلا في أواخر عمره.
وعن علاقته بالكتابة، قال إن الدواة والقلم والورق لا تفارقه، فكلما خطرت خاطرة في ذهنه، إلا وسجلها في حينها ولو كان ذلك ليلا أو في المنام، وهذه الخاصية انفرد بها الحاج بلعيد على شعراء آخرين في زمانه.
واعتبر الحاج بلعيد الفنان محمد عبد الوهاب الذي التقى به في باريس من سلاطين الشعر والغناء في ذلك الزمان لحنا وإيقاعا على آلة العود (وإنا يران شيعر لكالام ن لعاراب * ئدو س ماصر دار موحمد عابد لْواهاب * نتا أيﮕان سلطان ن شعر ن سعتاد)، ووجه له رسالة يستفسره عن حصافة رأيه ورجاحة عقله، طابا إياه وجهة نظره ونظرة علماء عصره حول دواء همومه التي لخصها في ثلاثة أمور: الحياة والآخرة والموت. 
إبراهيم أكنفار – جريدة الصباح

الرايس بودراع ضابط إيقاع مايسترو الأغنية الأمازيغية الحاج بلعيد – إبراهيم أكنفار

الرايس بودراع ضابط إيقاع مايسترو الأغنية الأمازيغية الحاج بلعيد – إبراهيم أكنفار

نشرت جريدة الصباح سلسلة حلقات عن بحث مميز للصحافي إبراهيم أكنفار حول الأسطورة الأمازيغية الرايس الحاج بلعيد، الحلقة الخامسة بعنوان ( الرايس بودراع ضابط إيقاع ) ( بانوراما الصيف: رائد الأغنية الأمازيغية 5) في العدد 3510 ليوم الإثنين 25 يوليوز 2011
يعتبر الفنان الرايس الحاج بلعيد من شعراء ورواد الأغنية الأمازيغية دون منازع، وينسب إليه تأسيسها، واعتبره البعض أباها الروحي وقيدومها، فهو شاعر ومبدع وموسيقي كبير وأحد الرموز التاريخية للمشهد الثقافي والغنائي والفني الأمازيغي عامة، والسوسي خاصة. كما اعتبره البعض الآخر فلتة من فلتات التاريخ، ربما لن يجود الزمان بمثلها ثانية، فهو فريد وغير قابل للتقليد، ما زالت مقطوعاته تتداول من جيل إلى آخر داخل الوطن وخارجه، خاصة بأوربا، إذ ما زلنا نرى في كثير من منازل أهل سوس صورة الحاج بلعيد بجانب صورة محمد الخامس تزين جدران بيوتهم. مر أزيد من نصف قرن على وفاة مايسترو الأغنية الأمازيغية الحاج بلعيد، أحبه الجمهور المغربي وعشقه الأمازيغ حد الجنون. انتقل بالأغنية الشعبية الأمازيغية من حالات التكسب والتسول والمتاجرة إلى مستوى الرسالة والالتزام والنضال ومعانقة هموم المستضعفين. فرغم مستواه التعليمي المتواضع، كان الحاج بلعيد يكتب قصائده بيده باستعمال الحرف العربي، وكان الفنان محمد بودراع هو ضابط الإيقاع بواسطة آلة الرباب، وقيل إن الحاج بلعيد هو من أطلق عليه هذا الاسم الأمازيغي “بودْرْعْ” التي تفيد استعمال القوة بسبب تعامله القوي والشديد مع الآلة الموسيقية. وذكرت بعض المصادر التاريخية أن الحاج بلعيد كان فعلا “رايس”، يعني أستاذا كبيرا في ميدانه بصفته مؤلفا وملحنا ومغنيا ورئيس فرقة موسيقية، بالإضافة إلى هذا كله، شاعرا متمكنا من القوافي ورائعا في صوره التشبيهية، وملما بأسرار “أمارغ” التي تعني بالأمازيغية الحنين والشعر والموسيقى في اللغة السوسية “تشلحيت”. فكل بيت شعري نظمه الحاج بلعيد يعد صورة أو لوحة سواء كان ذلك في الأغاني الغرامية أو التحريضية على تحرر المرأة أو تلك الأغاني التي تتطرق لأخلاقيات المجتمع حول مواضيع تهم قضايا المرأة والحب والحروب بين القبائل أو المعارك الوطنية، إلا أن أجمل ما غناه الحاج بلعيد، نظما ولحنا، هو تلك القصيدة الطويلة حول موسم الحج، وهي عبارة عن قصيدة مدتها 40 دقيقة تقريبا يحكي فيها تفاصيل سفره إلى الديار المقدسة، بدءا من ميناء الدار البيضاء إلى حين عودته، يوضح فيها فرائض الوضوء وطريقة الصلاة وفضل الزكاة مع وصف مفصل ودقيق لمناسك الحج باستعمال أسلوب فني لا يمل منه المستمع. من جانب آخر، فالإيقاع عند الحاج بلعيد يبلغ أشده مع ضربة المقص بين ركزة الرجل وتصفيق الأيدي في تناغم تام مع حركات الأرجل واهتزازات الأكتاف مع طنين النواقيس والمد والجزر في صوت الرباب ولوتار في فضاء أسايس، وهنا يشير أحد الباحثين، أن “الاهتمام المبكر لتطبيق مباحث علم الموسيقى على الفن الأمازيغي وبالمعايير المعتمدة على الصعيد الأوربي فيه إشارة بالغة إلى أن القصيدة البلعيدية تشكل لحظة نضج اكتملت فيها شروط الاهتمام الأكاديمي المبكر، وفيه أيضا إشارة إلى أن مدرسة ترايست السوسية، هي مدرسة التدريب النغمي بشكل صارم، وهي قضية يلح عليها المشرفين على فرق ترايسين لاحقا كما عند الرايس سعيد اشتوك”. أما من حيث البناء الهيكلي لقصائد الحاد بلعيد، يشير الباحث الحسين بن إحيا أن جل قصائد الحاج بلعيد تسير وفق بناء هندسي ثلاثي العناصر (المقدمة والموضوع والخاتمة)، والحاج بلعيد على وعي تام بأهمية المقدمة، فنراه واعيا بصنعه وهو يفتتح القول الشعري ويدافع عن مشروعيته ما دام الشاعر على هدي الله (أك زُّورح أوالّْي دار تيِسورا ن لخيِر – ؤراح ئركيم شّرع، ئغ راد تِّينيح لحاق).
كما يعتبر القصيدة الشعرية بمثابة رسالة يفتتحها بالبسملة (أبيسمي لاّه أدّ أسيِح يا تّبرات، أتنت نشْرح)، وفي أحيان أخرى نجده يتوسل بالأولياء الصالحين أو أحد أقطاب الطرق الصوفية في بداية قصائده، وقد يذكر بعضهم بالاسم. وهكذا نجد أغلب القصائد الشعرية الأمازيغية، خاصة القديمة منها، تُفتتح بمضامين دينية والتبرك بالله وبالرسول صلى الله عليه وسلم وبالأولياء الصالحين، وذلك كرد على الذين يواجهون ظاهرة “الروايس”، بأنها خروج عن الدين، وأنها بدعة يجب محاربتها. كما يقدم لقصيدته بالعتاب للصانع أو بموضوع سياسي في قصيدة غزلية. أما الشق المهم في القصيدة، الموضوع، فيلجه الرايس بلعيد بعد السطر الشعري الأول دون عناء وتكليف ودون إزعاج للمستمع من نقله من فكرة إلى أخرى، إذ كان يتقن حسن التخلص. وفي الأخير يختتم الحاج بلعيد قصيدته بخاتمة أو “تامسُّوسْت” تكون في الغالب عبارة عن حكمة. ورغم تعدد الأغراض والمواضيع التي يتناولها الحاج بلعيد في قصائده، فإنه نجح إلى حد كبير في صياغة فقراتها بأسلوب فني رائع يوفر للقصيدة الواحدة وحدتها العضوية والموضوعية والنفسية.
إبراهيم أكنفار – جريدة الصباح